الذهبي

78

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

المظفّر أحد الأطواد . حدثني عنه عمر بن واجب قال : بينما نحن عند أبي بِبَلَنْسِيَة ، وهو يُدرِّس المذهب ، إذا بأبي محمد بن حَزْم يَسْمَعُنا ويتعجَّب ، ثُمّ سأل الحاضرين عن سؤال من الفقه جُووِب عليه ، فاعترض فيه ، فقال لهُ بعض الحُضّار : هذا العلم ليس من مُنْتَحَلاتِك . فقام وقعد ، ودخل منزله فعكف ، ووكف منه وابلٌ فما كَفَّ . وما كان بعد أشْهُرٍ قريبة حتَّى قصدنا إلى ذلك الموضِع ، فناظر أحسن مُناظرةً قال فيها : أنا أتبع الحقّ ، وأجتهِد ، ولا أتقيَّد بمذهبٍ . وقال الشّيخ عزّ الدين ابن عبد السَّلام : ما رأيتُ في كُتُب الْإِسلام في العلم مثل " المحلّى " لابن حَزم ، و " المغني " للشّيخ الموفَّق . قلت : وقد امتُحن ابن حزم وشرّد عن وطنه ، وجرت له أمور ، وتعصَّب عليه المالكيَّة لطول لسانه ووقوعه في الفقهاء الكبار ، وجرى بينه وبين أبي الوليد الباجيّ مُنَاظرات يطول شَرْحها . ونفرت عنهُ قلوب كثير من النَّاس لحطِّه على أئِمَّتِهم وتخطئته لهم بأفجّ عبارة ، وأفظ محاورة ، وعملوا عليه عند ملوك الأندلُس وحذروهم منه ومن غائلته ، فأقْصته الدّولة وشرّدتهُ عن بلاده ، حتى انتهى إلى بادية لَبلة ، فتُوُفّي بها في شعبان ليومين بقيا منه . وقيل : تُوُفّي في قَرْيةٍ له . قال أبو العباس ابن العَرِيف : كان يُقال : لِسَان ابن حَزْم وسَيْفُ الحَجَّاج شقيقان . وقال أبو الخطَّاب بن دِحْيَة : كان ابن حَزْم قد بَرَص من أكل اللبان ، وأصابته زمانة ، وعاش اثنتين وسبعين سنة إِلَّا شهرًا . قال أبو بكر محمد بن طرخان بن بُلْتِكين : قال لي الْإِمام أبو محمد عبد اللَّه بن محمد ابن العربيّ : تُوُفّي أبو محمد بن حَزْم بقريته ، وهي على خليج البحر الأعظم ، في جُمَادَى الأولى سنة سبع وخمسين . وقال لي أبو محمد ابن العربيّ : أخبرني أبو محمد بن حزم أنَّ سبب تعلُّمُه الفِقه ، أنَّهُ شهِد جنازة ، فدخل المسجد فجلس ولم يركع ، فقال لهُ رجُل : قم صلِّ تحيَّة المسجد . وكان قد بلغ سِتًّا وعشرين سنة . قال : فقمت وركعت . فلما رجعنا من الصلاة على الجنازة دخلت المسجد بادرت بالركوع ، فقيل لي : اجلس اجلس ، ليس ذا